رجال وكلاب (1) أول رواية صدرت للقاص المغربي مصطفى لغتيري بعد إصداراته القصصية: هواجس امرأة (2)، شيء من الوجل (3) ، مظلة في قبر(4) . تمثل نقلة خاصة في تجربته الإبداعية والسردية إذ طوع لغة الكتابة من تكثيفها الرامز في القصة إلى تفصيلها الفاضح في الرواية: فلماذا هذا الانتقال من القصة إلى الرواية؟ ألان لغة القصة تبقى عاجزة عن سبر أغوار الذات والواقع أم أن نفس الكاتب بدأ يضيق للقصة فتوجه إلى الرواية من أجل البوح ، والمسارة ، والمكاشفة؟

سمح التداعي الحر بتعدد المرويات والمحكيات حيث ارتكزت على سجلات ثقافية متنوعة: علم النفس، التاريخ، الثقافة الشعبية، مما سيدفعنا للوقوف عند معالم المكونات الآتية: 1- اللغة، 2- تعدد السجلات، 3- الانشطار.
1- اللغة: تراعي اللغة في الرواية مقامات كلامية مختلفة ترتبط بالحالة النفسية والمرضية التي يعيشها السارد ، تتأسس في الغالب على التداعي الحر عبر استدعاء الماضي الطفو لي الفردي الأليم الذي انطبع بعقدة أوديبية مردها أمرين:
- شجار الأب المستمر مع الأم ومعاينة الابن علال لهذا المشهد المروع والمخيف
- طرد الأب للجرو الذي كان يرغب به علال
تتمظهرهذه العقدة من خلال الأحلام التي تراود علال " هذه الحادثة جعلتني أكره أبي كرها استوطنني حتى النخاع .ربما هذا ما أدى بي إلى أن أرى أبي ميتا في كثير من أحلامي"(ص:61).
كما يتم استدعاء الماضي الطفولي الجماعي البائس عبر رصد معاناة الأسرة مع" الحريق" الذي تعرض له جانب من البيت، وطرد الأب من العمل عندما تم التخلص من العمال نتيجة الأزمة الاقتصادية التي عرفها المغرب ، والتي كانت من مسبباتها "إعادة الهيكلة " التي أوصى بها البنك الدولي.
إن استدعاء الطفولة الفردية والجماعية في التداعي الحر يشكل حفرا في أغوار الذاكرة، ويبرز عمق ما يعانيه السارد من اضطراب و تشوش في مخيلته أفضى به إلى جعل حاضره امتدادا لماضيه. لذلك جاءت جل التعابير اللغوية تشي بالحزن والانكسار، وتعبر عن ذات اكتفت بذاتها متجاهلة العالم وما ينتجه من قيم وأخلاق: "أما الأخلاق فلا قيمة لها إن لم تكن نابعة من ذاتي ، فأنا محورها ، فائدتها تتأسس على مدى تحقيقها لرغباتي، لكل يوم أخلاقه، ولكل موقف قيمه الخاصة"(ص:81).
تتأسس اللغة أيضا ، على الاستبطان الذاتي الذي يغلب عليه الهذيان، والصور الشبحية، والتخيلات المتوهمة مبعثها الإحساس بالحرمان من امتلاك الأشياء. وفي الرواية ، يرتبط هذا الامتلاك بأمرين هامين:" الكلب" و"الأنثى" يقول السارد:
- "بمرور الزمن أقنع بما حصلت عليه في حلمي، أتناسى الأمر كله وكأنني غير معني به. لكن ما إن تمضي أيام قلائل حتى أجدني عدت إلى حالتي الأولى، بدايتها ونهايتها الشغف بالأنثى"(ص:59).
- "فتحت عيني فإذا بي أجد نفسي قد سقطت من مضجعي، وإذا بكل ما حدث مجرد حلم ، وها أنذا لا أملك الجرو الذي تمنيت امتلاكه بكل كياني"(ص:63).
- بيني وبين نفسي قررت أنني قادر على التخلي على كل شيء باستثناء شيئين:الكلب والأنثى"(ص:73).
فلماذا هذا التعالق بين "الكلب"و" الأنثى" في حين يعرض العنوان ذكوريا : "رجال وكلاب"؟
يشكل التداعي الحر والاستبطان الذاتي بوحا داخليا يتوخى منه التطهير النفسي بحثا عن الذات الحقيقية والمفتقدة، يقول السارد مخاطبا قارئه المفترض:"كن على يقين أن حالتي، اللحظة وأنا أوشك على الختام، قد أصابها بعض التحسن، فلقد اكتشفت بعض الأمور التي لم يكن من الممكن اكتشافها دون هذه المصارحة التي كنت شاهدا عليها"(ص:86).
2- تعدد السجلات: تكشف الرواية عن سارد متعدد المرجعيات والسجلات، سارد متنوع المشارب ، إذ نجد سجلا يرتبط بعلم النفس وما يتضمنه من مصطلحات: الأوهام، الاكتئاب، الوسواس، الحالة المرضية، هستيري، تداعيات...إلخ، سجل يعي السارد وعيا تاما بأهميته في الكشف واكتشاف حالته المرضية:" فبعد قراءات متعددة في كتب التحليل النفسي وعلم النفس"(ص:13)/ " كان اكتشافي للتحليل النفسي وعلم النفس لا يقارن ... بفضله أخذت أفهم نفسي تدريجيا" (ص:78/79).
يشكل هذا السجل المحفل الأساسي في الرواية، هو أرضية اللعبة التي يلعبها السارد مع القارئ المفترض، لعبة يعلم ، هو وحده، شروطها وأدبياتها إذ يحدد للقارئ مقاييس القراءة النبيلة والسليمة إذ عليه التسلح بالمعرفة والصبر مع التزام الحياد في الحكم دون تفاعل أو انفعال كي لا تمر إليه" العدوى".
أما السجل الثاني فهو السجل السوسيو اقتصادي يعري الواقع المغربي بعد خروج المعمر الفرنسي، وكيف تكالب على خيرات البلاد بعض الانتهازية، فهمشت فئات اجتماعية، خاصة منها المهاجرون القرويون. مع رصد عوامل البطالة التي تعرض لها العمال المغاربة بعد نهج سياسة" إعادة الهيكلة" لتقليص مديونية "البنك الدولي". يهدف السارد من الاستشهاد بهذه الوقائع والأحداث إلى تقريب الرواية من الحياة الجماعية ، ومن الواقع، حتى لا يظل البعد السيكولوجي هو المهيمن، وليبرز غاية توضيحية وتفسيرية تعلل سبب تأزم السارد نفسيا نظرا لتفاعله مع "الخارج" كي يبرهن على أن معظم الأمراض النفسية علتها الضغوطات القهرية الخارجية .
ويهيمن السجل الثالث وهو سجل "الثقافة الشعبية" وما تحمله من طقوس سائدة في المجتمع المغربي"الجذبة"، أو معتقدات مغلوطة تخص التشافي من الأمراض كالصرع والاكتئاب عن طريق تعاويذ الفقيه، أو عن طريق التداوي بسبعة أمواج، أو تقديم القربان "جدي أسود" للأسياد من أجل إزاحة "الساكن"
لقد وظف السارد أكليشيهات أو مستنسخات ترد بشكل ثابت ومتكرر في هذه الوضعيات والحالات:
- أعد لها الفقيه تميمة أمرها بنقعها في الماء، لمدة ليلة كاملة تحت ضوء النجوم، وفي الصباح الباكر ، تحمم أباها بذلك الماء"(ص:20).
- "نبهها الفقيه إلى ضرورة إقامة حفلة للأسياد يذبح فيها جدي أسود، وتردد الموسيقى حتى يتمكن للجني أن يغادر الجسد يسلام"(ص:33).
- النساء حررن شعورهن، والرجال أطلقوا العنان لأطرافهم السفلى والعليا لتأتي بأغرب الحركات وأعنفها...يتناوبون على حلبة الرقص، يتنافسون في الحركات العنيفة والقوية في ختام أي جولة موسيقية، يسقط اثنان أو ثلاثة"(ص:45).
- قال أحدهم للآخرين:"إنه جن كافر لقد استفزه القرآن الكريم تابعوا العملية.وهم يصرخون في أذني"أخرج وإلا أحرقناك أخرج أيها اللعين"(ص:77).
يحرص السارد على الصعود إلى مدارج الوهم والتخريف ليقدم مثل هذه الصور الطقوسية المتحررة من قيود المنطق والتعقل، تتوق فيها الذات إلى العودة إلى المعتقد الشعبي باعتباره النبع الصافي الذي يفسر كل الظواهر التي يعجز الإنسان عن تحليلها أو الظفر بها.
يضمن السارد عبر هذه الأكليشيهات تفجير المكبوت والمسكوت عنه في الثقافة المغربية باستخدام مشاهد ذات طابع درامي لا يبتعد عن تلك الدرامية القابعة دواخل ذاته.
يهدف تعدد السجلات وتنوعها إلى تنشيط عوالم المتخيل داخل الرواية ، يدفع به إلى أن يتوزع بين العالم الراقي في الثقافة المغربية(الفن، الرسم، الفلسفة...)والشعبي الهامشي(الجذبة، الصرع، بوياعمر...).
3- الانشطار: تقدم لنا المادة الحكائية داخل الرواية بعين السارد "الكاميرا" العليم بتفاصيل الأمور، وأدقها متتبعا إياها من مرحلة الطفولة إلى مرحلة النضج، وهي لا تقدم في بنية موحدة مكتملة بل تقدم بنوع من التشظي والتقطيع .لذلك تتشكل معمارية الرواية من المحكيات الآتية:
- محكي الجد وحالته الكلبية، ورصد اللعنة التي طاردت العائلة(بنوكلبون).
- امتدادات اللعنة وتجليها عند العمة التي لم يصرح الساردة مباشرة أنها "تكلبنت" ولكن توحي عبارات بذلك من قبيل:"راحتها الوحيدة في اقتعاد الثرى أمام البيت معرضة نفسها لحرارة الشمس اللافحة"(ص:31).
- محكي الرجل الدجال ومراسيم الاحتفال وطقوس "الجذبة".
- محكي الطفل "علال" والمعلم الوحش
- محكي علال وعلاقته بأبناء العم المهاجرين
- محكي علال وفتاة القرية في أول علاقة عاطفية
- محكي علال والكلب وما لحقه من تداعيات حلمية
- محكي عطالة الأب وخروج الأم والأخت من أجل العمل
- محكي تقليد علال للشباب الملتحين، وتعرضه للصرع من طرفهم
- محكي بحث علال عن كيان مستقل عن طريق التثقيف، وانبعاث مواهبه الفنية
- محكي علاقة علال بالأنثى وإخفاقه في رسم معالم أية علاقة مستقرة ومستمرة
- الختام:انفتاح السارد على القارئ وممارسة لعبة التحاور
يشكل السارد لحمة هذه المحكيات على اعتبار أنه بؤرة السرد، هو من يديرها ويوجهها عن وعي تام يقول السارد في حواره مع قارئه المفترض:"وأنت من جهتك كن متيقظا.من يدري؟ ربما تهتدي إلى الأسباب العميقة التي تجعلني ضحية للأوهام، كل ما أطلبه منك أن تتبع ما سأكتبه انتقي منه ما تشاء"(ص:13). إن عملية الانتقاء لا تعني الفوضى المطلقة، وغياب الدلالة المركزية، إننا إزاء منظومة حكائية وإن بدت كل حكاية مستقلة لكنها ، في العمق، ترتبط مع غيرها دلاليا وبنائيا. فنحن أمام انشطار مرآوي تتكرر فيه عملية "التماهي مع الكلب": الجد/ العمة/ علال. يحمل هذا التماهي دلالتين عميقتين: الأولى: تجلية ثيمة التهميش والحرمان في ظل شروط اجتماعية واقتصادية تتسم بالتردي والابتذال.
الثانية: تذويت اللغة وجعلها تنكب على "الدواخل" عبر الاستنطاق والبوح والمكاشفة. وفي الدلالتين ارتباط كبير مع "الكلب" لأنه لا يقوى على الإفصاح عن معاناته وأحاسيسه، ويعاني ،هو أيضا، التهميش والإقصاء.
هكذا إذن استطاع لغتيري عبر سارده " المريض" أن يؤثث عوالم روائية سيكولوجية تتوجه نحو العالم الداخلي لبطل يتميز بالإخفاق، والسلبية ، وعدم الرضا بما هو كائن ، واتخذ من الأوهام والأحلام نافذة لتجسيد المكبوتات بلغة ذاتية تستحضر أكليشيهات الثقافة العالمة والشعبية. هل يعني هذا أن قراءة رواية"رجال وكلاب" هي أيضا تدعو إلى قارئ "افتراضي" يحتكم إلى أدوات منهجية في التحليل والتأويل كي يمسك بالدلالات العميقة والدفينة لهذا العمل؟ أتمنى أن تكون هذه المقاربة قد لامست ذلك عن قرب.
الهوامش
1- مصطفى لغتيري، رجال وكلاب ، إفريقيا الشرق، ط:1 ، 2007 .
2- هواجس امرأة، منشورات وزارة الثقافة، 2001 .
3- شيء من الوجل، منشورات دار القرويين ، 2004 .
4- مظلة في قبر ، منشورات القلم المغربي، 2006 .







