|
أ |
نفاس مستقطعة (1 ) عمل آخر ينضاف إلى المشهد القصصي المغربي، يحمل بين أعطافه عشق عبد الواحد كفيح لفن الحكي بما هو فن جمالي يعكس فلسفته في الحياة، ورؤيته لكينونة الفرد والمجتمع.وبما هو رحلة اكتشاف للحظات منفلتة لم تصمد في وجه ضربات الزمن المؤلمة. فمن أين تولد لديه هذا العشق الخاص للحكي؟
1 – القصة حفر في الذاكرة: تأخد القصة مرجعيتها مما خلفته الجدة من إرث حكواتي يستمد منه القاص القوة والطاقة في السرد" كل هذا حسب مرجع الحكايات الخرافية التي طالما اتحفتني بها جدتي في الليالي الباردة" (2 ).فإن احتفت مجموعته بالعديد من الموضوعات والقضايا التي يداوم الفرد على عيشها ومعايشتها : البطش، السلطة ، الهجرة ، الخيانة، البغاء...فهذا لم يمنع من جعل السرد ماطرا ومتدفقا يجنح إلى عوالم الخيال ، والأسطورة، والعجائبي كي يربط بين الموروث الثقافي وبين اليومي ليعيشا جنبا إلى جنب في الزمن الراهن للمتلقي، هذا الزمن الذي يتسم بحالة استنفار قصوى نتيجة فقدان وتلاشي القيم الإنسانية ، تطمس كينونته،وتدفع به إلى أن يكون طعما لحيتان اليم(تابوت الطائر )، أو سلعة تباع لمن يدفع أكثر( ممنوع الدخان)، أو قنبلة تفجر حقيقة الخيانة في العلاقات الإنسانية والزوجية( قنبلة).
لقد تجلت الذاكرة التراثية والشعبية في المجموعة من خلال استحضار شخصيات موغلة في التاريخ والأدب العالم من قبيل:عنترةوعبلة، قيس وليلى ، عطيل، روميو وجولييت، زنوبيا...، أو عبر استحضار نصوص تراثية لها شهرتها في فن الحكي خاصة نص ألف ليلة وليلة، أو عبر الوقوف عند الثقافة الشعبية المحلية وما تعرفه من خصوصية في البناء والتشكل بذكر القاص لفن "احلاقي" الذي وقف عنده وهو يصف الجوطية:"تلتقي فيها كل أنواع الفرجة الشعبية من (احلاقي) بدءا بصاحب الحمار وبائع الأعشاب المنشطة لجميع أجهزة البدن وجوارحه، وأصحاب الاسكتشات ذات الطابع البدوي مرورا بفرق الرقص الشعبي و شاربي الماء الحار والحكواتي، وانتهاء بحلقات زريويل ونعينيعة وخرشاش"(3)
يفسر هذا الإغراق في التعبير بالتراث رغبة القاص في إضفاء الطابع الدرامي على نصوصه نتيجة شعوره بالغربة و الضياع في زمن الحاضر الذي يحس فيه بالقهر و الإكراه.الشيء الذي سيجعله يهرب للبحث عن ذاته و هويته داخل عالم القيم، و المثل الساكنة في أدراج التراث و شخصياتها المفارقة لحقيقتها التاريخية و الأدبية، بعث فيها القاص الحياة و الحركة كي تعبر عن مواقفه و رؤاه تجاه الواقع.
تمثل الذاكرة بما تحتويه من محكيات تراثية ذاك الهواء النقي الذي يستنشقه القاص من أجل الظفر بحياة كريمة، ومتعالية عن المبتذل من الأخلاق والسلوكات ، ويشكل الزفير ذاك الدال على الآهات والآلام التي تشربها من قضايا اليومي، أراد التخلص منها كي يطهر نفسه ، ويحلم بأفق أطهر ، يقول السارد:"صحيح صديقي حياتنا بين صرختين : صرخة منا وصرخة منهم، وحيث أن كل صرخة احتجاج فاحتجاجي وارد مقبول واحتجاجهم لغو شارد ومخبول"(4).
يجد القاص أيضا في "الطفولة" ذاك الصفاء المفقود، والجمال المبحوث عنه لأنه بين الحين والآخر يحن إلى لحظات ساذجة،و صادقة ، ومؤنسة"كم تمنيت لو عدت في لحظة طفلا سادجا يستسلم للبكاء كما الدمية بلا سبب أبكي بكل قواي حتى الثمالة ، أفسح المجال للشلالات الدموع وأدعها تنهمربلا انقطاع كما انهمرت شلالات الحكي الخالد منذ زمان"(5)، لقد ماثل السارد بين الدموع والحكي لكونهما وسيلتان للتطهير النفسي من شوائب وأزمات الواقع من جهة، وللفضح والكشف عن المسكوت عنه في الدروب المظلمة من جهة أخرى، الأمر الذي يفسر وقوفه عند حقيقة الفضاءات الهامشية (المقبرة ، الحلقة،الجوطية،مرحاض المحطة)، وعرضها بجمالية فنية خالية من المساحيق، مبعتها الصدق في الوصف،وإثارة المنسي من الذاكرة الجماعية.
2- القصة- كينونة: يجعل القديس أغوسطينوس في الكتاب الحادي عشر من"اعترافات" النفس هي الزمن "بك يا نفس أقيس لحظات الزمن، هو أنت من أقيسه عندما أقيس الزمن"(6)، بهذا المعنى يجلي القاص ذاته وكينونته إذ يستقطع أنفاسا من الزمن كي يحقق غرضين هامين : يرتبط الأول بمبدأ"التعالي" إذ ينشد ويثوق إلى المطلق، وإلى الخروج عن لعبة الكينونة الحصرية والمقيدة ، يقول:" وأنا الذي طالما عشت في مأمن تحت ظل حكايات جدتي الخرافية تدفعني نرجسيتي لتمزيق التأشيرة وجواز السفر رافضا إياه ولأسافر بدون زمان ومكان ألقي بنقسي في اليم لتتقادفني أمواج الماء كما تقاذفتني أمواج الرياح فارا مما يسمى بلعبة الزمان والمكان"(7). يشكل"التعالي" إضافة إلى كونه هروبا من الواقع، ثورة وسلوكا احتجاجيا على الإخفاق في تحقيق الأحلام التي لم تستطع مواجهة الزمن القاهر والموجع.
ويتعلق الثاني "بفعل الحكي" الذي يمثل رهانا مركزيا لدى القاص، إذ الحكي عنده يساوي الوجود، "وجدت دواة وقلما منذ ذاك تأبطت رقعي ومسوداتي وأقسمت على نفسي ألا أمتهن قط طول حياتي غير الحكي"(8).تتحدد الكينونة ببداية زمن الحكي الذي في شكل من أشكاله امتداد لزمن الجدة "زاد الحكي" الزمن الخيالي والأسطوري الطاهرالذي ينزاح عن غدر النسور الكاسرة، والأيادي الغادرة. وعليه يظل زمن الحكي في القصص يصارع ويتصارع مع "زمن اليوم" بتناقضاته، وإخفاقاته ، وآلامه، وآماله، يؤكد السارد ذلك بقوله"فحرب الحكي لم تقع لأن طيور جدتي التي هاجرت من الكوة عادت مرفرفة باسمة تلج أبواب الحكي/ الكينونة الأكثر اتساعا دون استئذان...ليبدأ زمن جدتي وينتهي زمن شهريار"(9) .
3- القصة- الحياة: لقد شاغلت شهرزاد بلياليها شهريار فاعلة فيه فعل السحر تارة، وفعل الدواء تارة أخرى، إذ جعلت من سرودها بديلا للحياة التي تعيد الإعتبار للكائن الأنثى في المجتمع الشهزادي بعدما ارادت شراسة وقهر شهريار سفكه.
في أنفاس مستقطعة، يشتغل عبد الواحد كفيح على البديل نفسه فالحكي لديه يناظر الحياة التي ينشدها على طريقته، ويراها من وجهة نظره، تلك الحياة البسيطة التي يستعيد فيها الكائن المقهور وضعه الاعتباري وسط سطوة الجور والقهر والاستعباد، وينفلت من ضيق دقات ساعات الحياة الرتيبة، ساعات لا تعرف انتظاما ولا تغييرا يقول السارد واصفا هذا الوضع من خلال مشهد يرصد فيه حالة الحداء الذي أراد أن يهجر صاحبه بعد حلول وتماه لم يعرف خلالهما الحداء سوى الحياة المشابهة لصاحبه، حياة بئيسة ومملة:"يعرف المسكين أنه لم يطأ قاعة أفراح مرة ولا ولج فندقا مثلا ولا زار سينما ولا مسرحا ولا قاعة أنيقة ولا دخل مصرفا ولا إدارة، وما وطئ طول حياته بساطا رخاميا ولا زليجيا وإنما خبر الساحات الخلاء المتربة والمحجوجرة والجوطيات و"الموقف" والدروب المنسية"(10).
أكثر من ذلك يشكل الحكي لدى القاص دواءا لتلك النفوس المريضة بالسلطة، وبممارسة العنف، يفضحها ويعري زلاتها بنقد ساخر ومرير في الآن نفسه، يظهر ذلك انطلاقا من موقف زوجة"بطش" التي ارتاحت بعد موت زوجها غرقا في البئر أثناء تخلصه من لسعات النحل بقولها"فما لسعنا أهون من لسعه إنها كائنات تلسع يا بني ولا تموت"(11)، ومن جهة أخرى، دواء تطهيري لذاته المغبونة،المكتوية بنيران الأسى واليأس، ذات منشطرة بين قيمتين مضادتين: الحق والباطل، الحياة والموت، وبينهما برزخ البراءة والعشق للحياة على الرغم من أوجاعها التي لا تنمحي إلا بإيقاد "حوض الذكرى. ذكرى مسراتها أبراج عالية، أحزانها قطوف دانية"(12).
لقد جعل القاص من حكاياته امتدادا لليالي شهرزاد الطويلة بلسان ذكوري ورث تقنيات الحكي من مخزونه التراثي العربي خصوصا، والإنساني عموما، محاولا إعادة قولبته من إلهام الخيال الذي تنسجه شهادة الفقر والتهميش، والإحساس باللانتماء داخل مجتمع يحس فيه بالغربة والاغتراب.
عبر هذه التفريعات الثلاث للقصة استطاع عبد الواحد كفيح أن يحتفي ب"الحكاية" بدءا بزمن الجدة مرورا بزمنه محاولا بذلك صياغة مواقف إنسانية منفتحة على عالمين مختلفين أحدهما مرتبط بالواقع، والآخر مغرق في الخيال، يخترقهما بطل إشكالي لا يختلف عن"دونكشوط"، بطل يصارع الزمن لكونه يحمل قيما أصيلة في عالم منحط ومبتذل.
هوامش
1- أنفاس مستقطعة، عبد الواحد كفيح، منشورات وزارة الثقافة، 2006 .
2- نفسه، (ص:9).
3- نفسه، (ص:25).
4- نفسه، (ص:56).
5- نفسه،(ص:17).
6- مفهوم الزمن، مارتن هايدغر،العرب والفكر العالمي، مركز الإنماء القومي، العدد:4،1988 ،(ص:58).
7- أنفاس مستقطعة، (ص:58).
8- نفسه،(ص:18).
9- نفسه، (ص:18).
10 - نفسه، (ص:31).
11- نفسه،(ص:9).
12 - نفسه،(ص:48).
د- سعاد مسكين







