قراءات..
لا يوجد أي سرد في العالم دون شخضيات
القصة القصيرة جدا بالمغرب إشكالية البناء والدلالة

القصة القصيرة جدا في المغرب

إشكالية البناء والدلالة

 

 

تعتبر القصة القصيرة جدا جنسا أدبيا حديثا عرفه المغرب نتيجة تطور السيرورة التاريخية لفعل الكتابة،  نظرا لخضوعها لمتغيرات ومتطلبات الحياة الجديدة التي أضحت تؤمن بالوجبات السريعة ، وأكلة في دقائق، والسفر بالكبسولة...لهذا صار هذا الكائن المستحدث في حاجة ماسة وضرورية كشكل تعبيري، يلتقط اللحظات المنفلتة، والأحداث الومضة، بكثافة لغوية، وبلاغة رمزية، تعبر عن هموم الإنسان العادي والهامشي.

ولعل من بين الإشكالات التي تثيرها ق ق ج أنها هي أيضا يصعب الإمساك بها، توحي دون أن تقول كل شيء، تتلون بألف لون، حرباء. الشيء الذي يجعلنا نتساءل: هل يمكن أن نحسم في مقاييس بنائها؟ وأن نضع لها قوانين قارة لكتابتها؟ ثم كيف يسهم بناؤها في تشكيل رؤية حول العالم والذات والأخر؟ وهل هذه الرؤية تبقى طيعة وسهلة المنال بالنسبة لكل قارئ؟.

1- معمارية البناء في القصة القصيرة جدا

تتسم القصة ق جدا بجملة من الخصائص البنيوية جعلتها تبني صرحها الخاص الذي يميزها عن الأشكال السردية المحايثة لها : القصة والقصة القصيرة، إذ تتأسس على القصر والإيجاز،حضور المعنى المقتضب،تفادي الجمل الطويلة، اجتناب الإطناب، إيحائية ورمزية المعنى، حضور عنصر الدهشة(1).وقد سمحت هذه الخصائص مع الحساسية أو الموجة الجديدة في الكتابة بأن تلبس القصة ق ج جلابيب متنوعة الطراز والمقاس والهيئة،  على اعتبار أن وجود إطار نظري لها لا يعني الجمود والوقوف عنده نهائيا ف"المبدع الحقيقي هو الذي يلم بقواعد الفن من أجل أن يتجاوزها لا من أجل أن يتقيد بها تقيدا صارما"(2)

بهذا المعنى يمكن النظر للإبداع في القصة ق جدا على أنه متجدد باستمرار، وقد برع فيه العديد من الكتاب الذين ارتبطت أسماؤهم بهذا التجلي النصي، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:عبد الله  المتقي، سعيد منتسب، سعيد بوكرامي، مصطفى الغتيري، فاطمة بوزيان،عز الدين الماعزي، محمد تنفو، وفوزي بورخيص وآخرون، وقد توحد عناصر مشتركة بين كتابات هؤلاء المبدعين من حيث البناء يمكن أن نجملها في:

أ- التكثيف: سمة أساسية في بناء القصة  تجعلها تتخذ ذاك الحجم القصير جدا يبنى على عمق الفكرة، وبلاغة اللغة،ويدعو إلى عودة الحياة إلى روح الكلمة المقتضبة التي توحي بفائض المعنى، ويسهم التركيب اللغوي في هذا التكثيف إذ يبنى على الجمل الفعلية القصيرة،السريعة ، والمتعاقبة، والمسترسلة، الخالية من علامات الترقيم.يورد هذه الخصائص عز الدين الماعزي في قصته بالثلثين(3) التي يسلط فيها الضوء على الانتخابات وما تعرفه من تنميق ومواربة من أجل الفوز بالكرسي:

 

تسلم كرسي الجماعة باع اشترى مزق خربق طوق الكرسي بالحنين

....

أغمض هدم ناقش راسل دوزن حول صرف وظف حاصر جادل فوت.

في الجمع العام أسقطوه بالثلثين.

يشكل كل من التركيز اللغوي ، والاقتصاد الكلامي، والاسترسال الجملي السريع غاية في حد ذاتها، إذ يسلبك ويجعلك بالكاد تترنم مرغما على تتبع إيقاعه ومساره من أجل القبض على عمق دلالته.

ب- الإستعارة: إن دقة اختيار الكلمات والعبارات لنقل حدث ما ، أو عرض رؤية معينة، بعيدا عن التقريرية المباشرة ، تسمو بالوجدان إلى أسمى متاهات التعالي لأن تلك الصور المتعالية هي التي تشكل وحدة المعنى ،ووحدة الأثر.ولعل الاستعارة في القصة ،وجاذبية التصوير فيها وشعريته هو ما ما جعل خوليو كورتازار يعرفها  بأنها" جنس سري مغلق ذو لغة لولبية تجعل من (القصة) الأخ الشقيق للشعر"(4)

تسمح الاستعارة بهذا المعنى بتعدد الصور الإيحائية ، فاللفظة واحدة لكن المدلولات متعددة. الشيء الذي يجعل القصة كندف المطر نتخذ إيحاءاتها مظلة تقينا من الحمى الباردة التي  قد تجعلنا نهذي، أو نثرثر، أونكثر من الكلام دون مغزى.لننظر كيف سيصور عبد الله المتقي  في طوق حمامة (5) عبر شعرية مأساوية المفارقة التي تعرفها العلاقة بين الجنسين المرأة التي لا يمكنها العيش دون ا لرجل، وهذا الأخير الذي يريد أن ينهي العلاقة تقول المرأة

"عزيزي....

إنني أذوب كما الشمعة....

أتراك تحس كم يموت عمري أمام عيني؟".

يضع الرسالة فوق المكتب الحائل، يتأمل جدران الزنزانة التي نخرته و...يكتب:

"عزيزتي...

لا يمكن أن نستمر.

محبتي".

بهذا تكون الاستعارة تمثيلا لمفارقات الحياة في شعرية بلورية تتصف بما أسماه توماس مان"أقصى درجات الحرية والهدوء والموضوعية لا تقلقها أية فلسفة أخلاقية"(6).

ج- السخرية: يهدف هذا المكون إلى تعميق الإحساس بالناس والأشياء عبر خرق المتوقع، وقلب القيم، يعمد إليه القاص من أجل نقد الواقع، وتعرية مكامن الذات التي تعيش الواقع ولا تعيشه ، تنتج القيمة وضدها في الآن نفسه . لنتأمل هذه الشذرة التي يجسد فيها المتقي روح التضاد داخل وعي الشخصية في غمرة الغفلة وإكراهات اليومي:

"نسي أن يتنصل من بيجامته، ونزل درج العمارة بطيئا،

لم ينتبه الحارس، المارة، أصدقاء المقهى،

ولم ينتبه النادل، فقط، انتبهت المرآة في دولاب الملابس،

حين كان يبحث عن بيجامته، مساء نفس اليوم"(7).

تكشف هذه الصورة عن تلك التفاصيل المنسية، الثقوب السوداء، التي تنكشف عبر أشياء جامدة( المرأة) تعري نسق الحياة لا اعتيادي، وغير المألوف.

ونجد محمد تنفو في قصته "ناقص واحد"(8) بسخرية لاذعة وتهكمية يرصد لنا كيف تشيؤ الذات وتفرغ من القيم الإنسانية والأخلاقية بمجرد أنها تعرض للمساومة ، أو تسعى  إلى تحقيق وجود باذخ يتأسس على مفاتن الجسد وغوايته.

عبر هذه التحديدات  الخطابية تصبح القصة ق جدا جنسا سرديا متفتحا على المحتمل والمفترض من التأويلات والقراءات نتيجة  تجددها المستمر في الأبنية  والأشكال ، تجدد  يواكب من جهة ظواهر التجريب وأولياته،و تطور الوسائط الإعلامية والمعلوماتية من جهة ثانية،  مما سيفرض علينا تلقيا خاصا وافتراضيا لعوالمها،  قد يهدم أي تحديد أو تنظير مسبق لها.لا سيما أن تطروها المستمر أعلن عن ظهور شكل آخر في أمريكا اللاتينية وإسبانيا،  وبدأت تتبادر أطيافه في كتابة بعض قصاص هذا الجيل ، فيما ينعت بالقصة القصيرة جدا جدا.

2- تشكل الدلالة في القصة القصيرة جدا

لقد عمدت الكتابة التجريبية إلى تكسير القوالب الكلاسيكية في بناء القصة القصيرة جدا، وجربت تقنيات سردية جديدة تأثرت في غالبيتها بطرق كتابة الرواية الجديدة التي أضحت تنظر للعمل السردي على أنه عمل منفتح على أجناس أدبية مختلفة ، أخرجته عن قوالبه الكلاسيكية الثابتة.

نفس الأمر لاقته القصة ق ج  إذ بأساليبها الجديدة في الكتابة باعتماد التكثيف التعبيري ، واللغة الإيحائية عبر الاستعارة، والسخرية من أجل إظهار المفارقات السلوكية والأخلاقية تمكنت من فتح نوافذ جديدة تعبر عن المسكوت عنه من القضايا الاجتماعية والسياسية والعاطفية، و تسلخ جلد الذات عبر البوح والكشف والمكاشفة. ومن أجل التعبير عن هذه القضايا اتخذت القصة ق جدا ثلاثة مسالك كبرى:

أ- الغموض: انعكس التجريب  في مستوى الكتابة القصصية على طريقة عرض القضايا ، فقد ابتعدت عن السرد المفصل و التقريري، وأصبحت تعتمد على الرمزية .الشيء الذي جعل المعنى في بعض الأحيان يبدو غامضا ،عصيا عن الفهم ،أخذا بعين الاعتبار أن ق ق ج أصبحت تعكس مرجعيات ثقافية وفكرية جمة يتوفر عليها القاص، تبعدها عن الملامسة المباشرة ذات القصدية العينية الواضحة. نلمس ذلك حينما يصف المتقي  السيدة جاكي(9) عبر تداعيات جملة من الصور لا رابط بينها سوى تلك الفوضى التي تخلق توترا عند القارئ حيث لا يجد ناظما بين جاكي والأشياء المحيطة بها : المطر، علبة سبنسر، القبعة السوفياتية،الدمية، والمعطف السميك، توتر شبيه بالقلق الذي ستحس به جاكي عند رغبتها في الإقلاع عن التدخين.

يتجلى الغموض أيضا حينما يختار القاص الإبهام والتلغيز عندما يجعل القصة عبارة عن لغز على القارئ حله، فيسهم بذلك في إشراك القارئ أيضا على تشييد القصة ، وبنائها تخيلا كما هو الشأن بالنسبة" لقصة تريكو" (10) لمحمد تنفو،و  قصة" بدون"(11) لعز الدين الماعزي.

إن صفة الغموض لا تخرج عن كونها ذاك الطابع الشعري الذي يسم القصة ق ج والملتحم  في الغالب  بالمجازات ، وانزياحات الصور ، واللغة الزئبقية  التي تتلون برؤى القاص والصور الحلمية التي ينشدها.

ب- العجائبي: يشتغل هذا المكون داخل القصة ق جدا بوجهتين: واحدة باعتباره نمطا من الخطاب الذي يعانق الممكن من الفضاءات  والعوالم، من خلاله ينفلت القاص من تشنجات الواقع، وأزماته النفسية، واختلالا ته القيمية،يتجسد عند المتقي  تارة عبر التنبؤ في قصة (جثة جافة)(12)،وتارة عبر تحول الحلم والخيال إلى حقيقة(غرقى) (13)، وتارة عبر طي المسافات (ضحك القصة) (14).

في الوجهة الثانية، يشتغل العجائبي كتيمة أساسية تشكل المحور الحكائي أو النسقي للقصة، فيتجلى من خلال موضوعات "الأنا" و"الهو" بالمعنى الذي حدده بها جنيت في كتابه"  مدخل إلى الأدب العجائبي" موضوعتان تفضحان المكبوت في العلاقة بين الجنسين، علاقة موسومة بالتفسخ والانمساخ، ترتكز على" الجنس" من حيث هو ابتذال لجسد المرآة، ورغبة شبقية ترتهن غالبا بدوافع لا طبيعية كالخضوع لمفعول النبيذ في" رسالة حب"(15)عند المتقي، أو تأثير مهيج أو مثير فوتغرافي كما هو الشان في قصة "السوليما" (16)، و"كيف تسلل وحيد القرن"(17).

يعمل العجائبي داخل القصة على إضفاء نوع من التغريب والغموض فيخلق ذاك التوتر الذي يجعل القارئ ومعه القاص يعيش بين عالمين: عالم كائن مرفوض وممسوخ، وعالم افتراضي حلمي شبقي وممتع في الآن نفسه.

ج- التثغير: يزيد التثغير من غموض القصة حيث أنها لا تقدم كل شيء جاهز للقارئ بل تشغله معها وفيها، كما لو أنه سيدخل إلى ورشة هو على علم مسبق بتقنياتها وإوالياتها.

يتجلى التثغير في القصة من خلال ملمحين : الفراغ الذي يجعل القارئ يفترض هو أيضا عوالم القصة ، وأنساقها التخييلية، إما بتوظيف نقط الحذف التي تعني القفز على التفاصيل الزائدة ،وإما بتركيب الجملة الموصولة أو المجرورة بتوظيف أداة الوصل والجر دون ذكر للاسم  للموصول والمجرور،كما نجد ذلك بكثرة عند الماعزي وتنفو.

    ويتمثل الملمح الثاني في البياض الذي يخلق المفاجأة والمباغتة كما نجد عند الماعزي حينما يدرج في مجموعته خيبة 2 و 3 ويقفز على خيبة 1 فيكسر أفق انتظار القارئ ويخيبه بعدم احترام الفهرسة النصية للقصص.أما محمد تنفو ففي قصة "الصفقة"(18) يكتفي بذكر العنوان معرفا دون نص كما لو أنها صفقة فعلية معلومة بينه وبين القارئ ستخول له – هو أيضا- إنتاج نص قصصي.

إننا عبر هذه التحديدات التي فرضها التجريب في القصة ، وحتمتها سيرورة التطور النوعي للجنس السردي وفق متغيرات الحياة ومستجداتها لم نعد  نحصر القصة في ثنائية القاص/القصة بل خلق بديل آخر القارئ/ القصة، وقد يطرح هذا البديل إشكالات متعددة خاصة إذا ظلت القصة ق جدا في تطور ملموس ومتسارع في أشكالها، وأساليبها،و وسائطها . فهل ستظل القصة تحافظ على ميثاقها (الصفقة) مع كل القراء أم أنها ستصبح تستقطب نخبة النخبة؟ وهل بخصائصها هاته ستسهم في تسريع وتيرة القراءة من حيث كم القراء أم أنها ستسهم في نفورهم منها لكونها صعبة الإدراك والفهم؟

وفي جانب آخر يتعلق بالقارئ/ الناقد هل ستصبح القصة في حاجة إلى قاص متخصص حقق تراكما نقديا في مجال القصة دون غيرها من الأشكال السردية؟ وهل  سيستطيع هذا الناقد على تطوير أدواته ومناهجه كي يشتغل على جنس سردي زئبقي من مثل القصة ق جدا؟

 

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 30 مارس, 2009 09:30 م , من قبل habibtaha
من المغرب



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية