راهنت القصة القصيرة الجديدة بالمغرب على تفجير طاقة السرد، وعلى التغيير في قوالبه وأشكاله التي أضحت تنتج نصوصا تعتمل بحساسية جديدة، تعكس تحولا جديدا في الكتابة هو النتيجة الحتمية لتراكم إنتاجات قصصية متنوعة ومختلفة، إنتاجات ضحت بعضها "بالحكاية" من أجل ترهين الجمالية الفنية، وأخرى ظل "جن الحكاية" يطاردها تحت ضغط هواجس المغايرة في طرق الكتابة القصصية. يبقى الميسم الوحيد في هذه الابداعات أنها ولدت كتابة مغايرة،وعندمانقول "مغايرة"فإننا لا ندعو إلى "المجاوزة"بل ندعوإلى"المجاورة"بين القصة القصيرة الجديدة والنصوص القصصية السابقة عنها زمنيا،بين القصة الجديدة و النصوص الأدبية القريبة منها جنسيا(الشعر،القصة القصيرة جدّا)،بين القصة الجديدة و عوالم جديدة في الكتابة فرضتها متغيرات ثقافية و اجتماعية(الصورة،الانترنيت،الاشهار،السينما و المسرح).من هذا المنظور،سنتتبع تجليات و مظاهر المغايرة من خلال ثلاثة نماذج:-"هذه ليلتي"لفاطمة بوزيان،-"البرشمان"لأنيس الرافعي،-"احتمالات"لمحمد اشويكة ،كي نبين اختلاف طرق التعبيروأشكال إبلاغ الحكاية في القصة القصيرة المغربية.
1- أسرار الصنعة في "هذه ليلتي"(1)
جاء هذا العمل بعنوان "هذه ليلتي"بعد عملها الأول"همس النوايا"(2)،فهي بالفعل ليلة فاطمة في الرقص والغناء، الرقص بما هو نشوة الذات بالحضور الفعلي كقاصة ناشئة استطاعت أن تطرق عبر سردها مواضيع اليومي: الزواج ومخاوفه، العلاقات بين الذات والآخر، معاناة مهنة التدريس، الخيانة الزوجية، هاجس الكتابة نفسها، عبر لغة شعرية تمرر إيقاعات اليومي الضنك في سنفونية لا تختلف عن سنفونيات أم كلثوم،وعبد الحليم حافظ ،وعبد الوهاب الدكالي، ولطيفة التونسية التي ترتبط في معظمها بمكنونات الذات، وتعري صدمة الواقع الذي تغيرت فيه كل الثوابت والقيم الأصيلة، بل حتى الفضاءات بدت باهتة وممحية"دائما كنت أشعر أن الزمن في المدينة القديمة لا يتغير، وأن الأشياء تظل هناك ثابتة كما تركناها ، لا مبالية بإيقاعنا الرقمي"(3).
لقد فرض الإيقاع الرقمي على القاصة أن تجعل من الواقع الافتراضي ليس بديلا عن الواقع الكلاسيكي بل هو عين الواقع ، تكشف عنه القصة باعتبارها ذاكرة إلكترونية تحمل الساردةوحدها قنها السري، وتمتلك وحدها سر صنعها، وتقنيات تجليها حيث تكشف للقارئ منذ النص الأول" أسرار" أسرار الصنعة، ذلك بأنها ستغني بجميع اللغات، اللغة الفصحى الذاتية، ولغة الدارجة المرتبطة بالواقع، ولغة "الرقمنة" التي جعلت من الهاتف المحمول والشبكة العنكبوتية وسيطا للفضح والتعرية، بل جعلتهما أيضا مادة الكتابة والسرد معا.
تطلق الساردة عبر هذه اللغة العنان للكلام كي يكشف عن دواخلها في شكل ثورة عارمة لطالما كبحت جماحها في صمت دفين، مستسلمة لمعتقداتها التقليدية ، وكلامها القديم، فهي الآن "بنت اليوم"، إنسانة رقمية ترغب في هجرة كل تلك القناعات البالية التي لم تورتها سوى الإخفاق والحزن كي تفترض عالما جديدا متحركا وديناميا لا تملك حياله سوى الحلم "لو تتعبأ بطاقة الهاتف برصيد لا ينتهي، أو يستحيل المنذيل الأبيض إلى شاشة، الإبرة إلى فأرة، والزواقة إلى لوح حروف، آه...لو"(5)
تشيد فاطمة بوزيان عبر عالمها الافتراضي الذي يتأسس على الرقمنة الهاتفية طريقة جديدة في البناء القصصي يلائم رغبتها في اكتشاف هذا العالم ، وفي الكشف عنه للقارئ في نفس الآن، يتضح هذا الملمح في قصة "الصعود إلى الريزو" التي تشكلت على أساس بناء تصاعدي ينسجم مع رحلة الساردة الكولومبوسة إلى "العلوة" من أجل البحث عن الريزو الذي بدا ولأهميته كما لو أنه بطل القصة المفقود.
يتمظهر الدال "التقني" إضافة إلى الهاتف المحمول عبر الشبكة العنكبوتية حيث تزخر المجموعة بمعجم حافل بلغة المعلوميات و"النيت" : مكتوب، ياهو ، ليميل، تسجيل الدخول، تسجيل الخروج، إكسيل ،تحميل، ويب ، ماكروسفت، البحث ، إعادة البحث...،إلخ.تعكس مختلف الطرق التواصلية الجديدة التي اقتحمت العالم الواقعي للساردة بدون استئذان ،جعلتها تعلن دون سابق إنذار تحولها الجذري ، وانفصالها عن طقوسها ومحرابها" أهدد نفسي الأمارة بحب الأدب ، سأهجر ذلك الشعر المشبع بالرثاء ، وتلك القصص المترهلة بالحزن، وأحفظ كلماته الجديدة :لوجسيل، غوغل، ماسنجر، أحسها غريبة فوق لساني ،لكني سأقصه إن لم يحفظها"(6)
إن مرد هذا التحول الجذري لدى الساردة في وسائط الكلام رغبتها الأولى في البحث عن الذات ومعرفة ماهيتها المفقودة التي غابت وسط زحمة الذوات الأخرى الأمر الذي جعلها تقدم لنا نموذجا جديدا من هاته الذوات في "الازدحامولوجي" تلك الذات التي تسرب الآخرون إليها بمختلف تناقضاتهم، ومرجعياتهم، وتكوينهم مما جعلها تلخص هذه الذات في مقولة واحدة الذات" أبواب كثيرة كلها مغلقة"(7) تحتاج أن تفتح وتفرغ. والرغبة الثانية تتجسد في اشتهاء السفر إلى الأعماق عبر البوح والمكاشفة "أضغط على عينيه بنظراتي فأحسها تستولجني إلى قلبه كأنها رابط إلكتروني ينقلك إلى صفحة من نقرة واحدة، وينفتح أمامي قلبه رابطا آخر يقود إلى قلبي ، قلبي الذي انتظره طويلا...طويلا .عنكبوتي الجميل ، دعني أتأرجح في شباكك، يا لها من شباك... "(8)
2- العين والإبرة في البرشمان
إذا كانت فاطمة بوزيان في مجموعتها قد قدمت لنا سلطة جميلة وشهية فإن أنيس الرافعي ببرشمانه(10) يدخلنا إلى ورشة للخياطة ترتهن إلى مقاس من حجم القصص القصيرة، وإلى مقص يزيل عنها كل فضلة أو زائدة ، وإلى "معلم" يتقن حرفة الحياكة والحكاية، وإلى صبي يقرأ بلمحة بصر وبصيرة ما يريده منه معلمه، وإلى خيط يلحم بين أجزاء الثوب(الحكاية) المفصل في سبيكة واحدة، وإلى إبرة ترصع هذه الأجزاء حتى لا تعاني من ارتجاج أوانفصام.
لقد راعت مجموعة الرافعي كل هذه الشروط في الكتابة إذ يقر في مستهلها أنه أخذ غمار هذه التجربة عن وعي منه بأن كتابته عليها أن تكون لها لعبتها الخاصة والأثيرة ، وهي هنا ذات طابع مغربي صرف" ضرب البرشمان" من حيث هو ضرب بكل المكتسبات التقليدية والنموذجية ، ودعوة إلى تشييد صرح جديد للكتابة في جنس القصة القصيرة بالمغرب. سنحاول استجلاء هذه التقنية من خلال عنصرين جوهريين:" العين والإبرة" وهما أداتان لا ينجم ضرب البرشمان بدونهما:
أ- العين: يتفرع عن العنوان الرئيسي "البرشمان" عنوان فرعي "ملاحظات قصصية" يدل على أن قصص الرافعي ستجعل من اللغة عينه التي يرى من خلالها الأشياء، يبصر من خلالها إلى، وفي مكونات الوجود الإنساني ، في أشياء قد نغض الطرف عنها، ولا نبالي بها.يتم النظر في هذه الاشياء عبر مقولتي"الداخل والخارج" ستمكنانه بحسب تعبيره إلى "التمعن في درس الاشياء خارج ابعادها الوظيفية والنمطية، لإدراك حيواتها الباطنية والموازية التي هي جزء لا يتجزأ من مصائرنا كأفراد،النفاذ إلى اغترابها وجحيمها عندما تحوز استقلاليتها الخاصة وتمارس"العصيان المدني" ضد استخدامها لمجرد أنها أشياء أو لكونها موجودة بإزائنا رغم إرادتنا "كفرض عين"ولا نجشم ما بعد عيوننا عناء إعارتها كسرة انتباه أو تأمل"(11)
إن رؤيتنا للأشياء بهذا المعنى ونحن خارجها تختلف عن رؤيتنا لها ونحن بالداخل، نحل فيها، وننطق باسمها، وتنطق بلساننا .وعبر هذا الحلول تمكن السارد من أن يعري لنا الشخصية المركزية داخل عمله، رجل يعاني من العزلة والغربة والوحدة، حبيس غرفة يستشرف عبر نافذتها كوابيس وهواجس، تسلخ ذاته العربيذة ، الموسوة، البائسة، اليائسة التي توشك على تحطيم سرير حياته.
لقد أسهمت ثنائية الداخل والخارج في توحد الرؤية لشظايا من الصور، والاستيهامات ، والذكريات بدت في استدعائها كما لو أن السارد يدخل ويخرج في الكلام، لكنه في حقيقة الأمر هو ضرب من خيوط السرد كي لا يتكبل ويحجم عن الدخول في"عين الإبرة" التي سيتم بها خياطة مفاصل ومقاطع جلباب القصة.
ب- الإبرة: اعتمد الرافعي في ديباجة نصوصه القصصيةعلى تقنية "التخلاف"التي "تطرأ بين محوري كل من مركز إبرة الخياط والشعاع المتعدد الزوايا في دائرة أصابع صبيه أثناء تضفير وتضافر خيوط البرشمان"(13)، وهي عملية تستوجب طرفين المعلم والصبي للحياكة،وتستوجب طرفين في الحكاية أيضا من أجل الحفاظ على تقنية التخلاف
1- التخلاف الأول بين صوتين: صوت السارد\ الشخصية وصوت السارد\ الشيء، يتناوب هذان الصوتان في التجلي عبر ثلاثة مظاهر خطابية: ضمير المتكلم يرهن الحدث أو الإحساس أو الانفعال، يعرضه في حداثته وجدته دون رتوشات . وضمير الغائب يتتبع الحالات والأشياء في ثباتها، وفي تحولاتها عبر وصف دقيق ومجهري يربط بين الخارج والداخل كي يوجه القصة إلى رصد المناطق الخفية.وضمير المخاطب يعري مكامن ذلك الحوار الافتراضي بين السارد والقارئ، وهنا ندخل إلى التخلاف الثاني
2- التخلاف الثاني بين السارد والقارئ الاحتمالي: الذي يرى فيه القاص قارئا مغايرا " القارئ الوجيه القادم من المستقبل"(14)، القارئ الذي يبني ويشيد مع السارد صرح القصة، قد نعتبره هو ذاك الصبي الذي يصنع الخيوط الأولية للبرشمان(السداوة) بحسب عدد الخيوط والأشكال السميكة والرقيقة التي يرغبها "المعلم" يصنعها تحت امرته، وبموجهات خطابية من قبيل:لكني أريدك بداية أن تنجح في تخيل\ يتوجب أن تضاعف من مجهوداتك في تخييل...\اربط لجام التخيل\ لابأس يمكنك تدارك التخيل بتخيل سلم خلفي للعمارة\ أوصيك لا تكن طيبا معهم"
يدعو المعلم( القاص) صبيه (القارئ) ليشاركه تجربة التخييل، ويسهما معا في بناء العالم الحكائي لبنة لبنة، ويكشفان عنه خيطا خيطا في الآن نفسه.
3- التخلاف بين القاص(المعلم) و القارئ( الصبي): ينسج البرشمان، بعد الانتهاء من عملية التخلاف الثانية ،باعتماد التقنية عينها إلا أنها ستخضع هذه المرة لجدول أعمال التخيل لكل من القاص والقارئ حيث يشيدان معا النسق البنائي والدلالي للقصة، يتأسس هذا التشارك التشييدي على أساس بناء ثلاثي أو هرمي يبدأ بحالة توازن،ثم حالة لا توازن، وأخيرا حالة عودة التوازن،يظهر هذا البناء جليا انطلاقا من عناوين تحملها بعض المفاصل القصصية: (الغفوة\تعقيد الغفوة\تبسيط الغفوة) (15)، (التخلاف 1\ التخلاف 2 \ درج الخياط)(16)،( الصوت الأول\ الصوت الثاني\ الصوت الثالث)(17)
3-القصة التفاعلية عند محمد اشويكة
لم تعد القصة المغربية حبيسة الكتابة الخطية والطباعية، بل صارت تواكب مجرياة تطور تقنيات الكتابة، وتعدد وسائطها في إطار ما يعرفه الأدب من انفتاح على عوالم جديدة: المعلوميات ، السينما ، الإشهار، الصورة البصرية، المعادل السمعي....إلخ.
غدا هذا الكائن (القصة) مسايرا لهذه الوسائط الجديدة، فعوض القصة المكتوبة والمطبوعة في مؤلف صرنا نجد قصة أخرى رقمية توجد رهن إشارة القارئ بمجرد الضغط على الفأرة لكي يتمكن من الدخول إلى موقعها وتخومها، ويكتشف نمطا جديدا من الكتابة يسهم القارئ بذاته في تشكيل فضاءاته وعوالمه.
وإذا ما قام القارئ بالدخول إلى الموقع الإلكتروني عبر الرابطhptt// :chouika.atspace.com سيجد قصة"احتمالات"للتكنوقاص محمد اشويكة (19)، نص يحدده عبر جنسين: "قصة ترابطية" و"سيرة ذهنية". الشيء الذي يجعلنا أمام سؤال التجنيس: هل يمكن للقصة أن تصير سيرة ذهنية بحكم التطور العلمي والتكنولوجي؟
1- سؤال التجنيس:
يجعلنا سؤال التجنيس أمام محطتين: تتعلق الأولى بكيفية تشكل القصة الترابطية، والثانية ترتبط برصد العلاقة بين هذه الأخيرة والسيرة الذهنية.
يعطي اصطلاح القصة الترابطية للنص الأدبي عموما والقصة خصوصا كل الاحتمالات الممكنة للتطور والتفاعل مع مختلف نظام العلامات التي يمكن أن تنتجها الثقافة الحديثة: السينما، الرسم، الموسيقي، المسرح، الرسوم المتحركة... حيث يسمح للنص الواحد بأن يتشكل "من مجموعة من النصوص ومن الروابط ، تتيح للمستعمل إمكانية الانتقال بسهولة من نص لآخر حسب حاجياته"(20)، مما يجعل النص يخضع لنوع من اللاترتيب الناجم عن انتقال القارئ داخل النص الواحد إلى العديد من الملفات أو الهوامش يتم تعيينها عبر موجهات نصية: اضغط هنا ، أو عبر الضغط على بعض الكلمات أو العبارات التي تكون مكتوبة بخط غليظ:لحمر ف لكحل، الإطار، لائحة الروائع الغنائية، حكاية المنقار
تتركب قصة احتمالات من مفاصل سردية ثلاثة: الإطار، لحمر ف لكحل،@mour. يمثل الإطار الصورة الأم التي تتولد عنها باقي الصور البصرية، أو السمعية، أو المرقونة. صور ترتبط بثنائيتي(هو) و (هي) لكونهما يشكلان نمطا من أنماط المجتمع الرقمي، مجتمع هذا الزمان الإفتراضي الذي يعرف فيه الفرد صراعا بين لذة الداخل، وصخب الخارج. يعيش داخل المجتمع بكل طقوسه ومستجداته لكنه في الآن نفسه يعيش على هامشه.
إلى جانب الإطار تحضر خانتي"لكحل ف لحمر" و"@mour"،تمثل الأولى تداعيات الرائي المستلقي الذي يرى ولا يعلم ما يرى، فالرؤية أيضا عند القاص تحتمل الشك والنسبية"الرؤية من هنا لا تتيح إلا السمو.ترى ولاترى ماترى،ترى ما لا يرى، ترى ولاتدري من يرى، الرائي، أم المرئي"(21)
أما @mourفجاءت عبارة عن مذكرات يومية تتعلق بفضاء رقمي، ينفتح على فضاء cybercafé، بما هو فضاء لتجلي خطابات متعددة: البوح، المكاشفة، الإشهار، الألغاز(حكاية المنقار)، السرد التاريخي(تشرتشل). يبقى السؤال المطروح: ما هي العلاقة التي تربط قصة "احتمالات" الترابطية بالسيرة الذهنية؟
وبالفعل تمكن محمد اشويكة من جعل قصته هاته سيرة ذهنية تكشف عن مرجعية ذاكرته الاحتمالية التي تعبرعن خليط من الحقائق الفعلية التي يعرف فيها الإنسان وجودا مغايرا لوجوده الحقيقي، وعيه الممكن، فلسفته الجديدة في الحياة، وفي العيش ، تنكب على التذويت، وعلىالتشذر، وعلى الرقمنة، وتنفتح على ذهنية متعددة الخطابات: الحب ، العلاقات الإجتماعية، الأحداث التاريخية. و الوسائط: الإشهار، الاغاني ، المذكرات.
لذلك قد ندعي أن نص "احتمالات" يتخذ استراتيجية التحويل مطية لإنجاز كتابة قصصية ترهن فعل الكتابة السيرية.فهل الأمر يتعلق أيضا بفعل وجودي أساسه التشكيك والنفي المطلق لخصوصية الكتابة القصصية؟ أم أن القاص "محمد اشويكة" يهدف إلى إحلال كتابة متعالية نصيا تستشرف أفق التفكير الفلسفي والوجودي؟
2- سؤال الكتابة:
يتقدم "احتمالات"عنوانا مركزيا يشكل عتبة القصة" البص والقص"، عنوان يحيل مباشرة على نمط الكتابة الذي يعتمد على صيغتين للخطاب: الرؤية(البص)، والسرد(القص).
أ- الرؤية: يرى ويحكي القاص بجميع حواسه:" البصر"، و"السمع" ،و"الذوق" مما سمح بتمفصل المقاطع السردية إلى صنافات تعتمد على الحواس: "قالت العين للعين"، "همست الأذن للأذن"، "ذاق اللسان ريقه"، تشترك في رؤى داخلية من" الثقب" عدسة كاميرا تتحسس الداخل بكل ما يحمل من إيجابيات: الكلم العذب، مستساغ، سهل الرسوخ، صعب الإنماء، كثيف التعدد، عسل العوالم الجوانية...، وينتقد الخارج و يطعن فيه:"خارج الثقب مسمع وأصداء...لم أكد أميز ملامح أصحابه من كثرة العتمة التي تعم طبلة الاذن...زمن أوهام التغيير، أسراب الأحلام القزحية، طيور تحلق دون حركة كأنها محمولة..."(23).
تهدف هذه الرؤية الجوانية إلى تعرية واقع كائن هذا الزمان الذي يظهر من خلال شخصيتي القصة(هو) و (elle) على أنه كائن يعيش على هامش المجتمع، يعيش العزلة والوحدة، ويحيى حرمانا عاطفيا يفجره عبر رسائل إلكترونية تعكس الإخفاق العاطفي"ليس لدينا حظ أن نعيش معا"(24)، وتستشرف غدا أفضل"أتمنى مستقبلا زاهرا لكلينا"(25). لذلك جاءت اللغة التي تعبر عن هذا الكائن تتمفصل إلىلغتين: لغة الذات بما هي لغة لتداعي واستيهام صور ومعاني الحياة سواء عبر التذكر (الطفولة)، أو عبر الحفر في التاريخ(ثشرتشل) .ولغة الرقمنة بما هي لغة البوح والمكاشفة.
ب- السرد:تنبني قصة"احتمالات"، إلى جانب كونها نصا مبنيا على الترابط النصي،على نوع من التفاعل النصي، إذ تنفتح على قنوات خطابية متعددة:
1- التداعيات: يرتبط مجال الكتابة في قصة احتمالات بالتجربة الذاتية باعتبارها إعادة اكتشاف وتشكيل لخصوصية الذات ، من حيث هي كائن في تماس مع المجتمع، ومع منظومة القيم والعلاقات السائدة، يتم الكشف عن هذه الخصوصية عبر خصوصية اللغة التي تتوازى فيها الدارجة المغربية باللغة الفصحى كي تعكس الروح المغرضة نحو الهزء والسخرية.
2- المذكرات اليومية: يتجلى هذا المكون في الرسائل الإلكترونية سواء عبر شبكة الأنترنيت أو عبر المحمول، والتي تمثل خطاب البوح والدردشة الحميمية،إذ يتم تعرية مكامن الذات ، ونشر غسيلها انطلاقا من اشراك الآخر فيما تعرفه هذه الذات من إخفاقات، أو جروح، أو انكسارات.
4- الإشهار: يعتمد هذا الخطاب على الجمل التلغرافية القصيرة التي تعكس أسلوب الترويج السلعي للمنتوجات (office faxe) الذي يعتمد على خطاب مباشر، يجعل للغة خصوصية تداولية. شفوية:
"-تقدم لك تحفا فنية أنت في حاجة إليها
- ماركتنا غير متوفرة في أي محلات للعرض العمومي (نحدرك من التقليد والتقليد عليك)
- متخصصون بارعون في خدمته بعد البيع"(28)
و أخرى مكتوبة يسهم القارئ فيها بإنتاج النص و ليس بتلقيه فقط،عبر ملء الفراغات،أو الإجابة عن بعض الأسئلة(29)
5- اللغز والمثل: حينما نتحدث عن اللغز(30)والمثل (31)في القصة، فلا يعني ذلك تناصها مع السرد العربي القديم، بل إننا نجد في القصة إنتاجا لنصوص جديدة ، تواكب المقامات التخاطبية الآنية، وتعكس مرحلة تداولية حداثية لأشكال سردية قديمة.
يحيل تعدد هذه النصوص إلى رغبة القاص "محمد اشويكة" في جعل القصة الترابطية المغربية نصا جامعا ومتعاليا ، يضم ملفات وسجلات تتأرجح بين سجل الذاكرة(الطفولة، والتاريخ) و المذكرات اليومية. يمررها للقارئ عبر قنوات تعبيرية مختلفة، استفاد القاص من تجربته –التقنية- في التعامل مع الحاسوب والأنترنيت كإواليتين جديدتين في إنتاج النص السردي المغربي الحديث.فهنيئا للإبداع المغربي القصصي بهذه التجربة المتميزة.
أخيرا، وليس آخرا لا يسعنا سوى الاعتراف من خلال هذه النماذج بأن القصة القصيرة المغربية قد سارت في درب التجريب مشرعة على المغايرة والتجاوز عبر تقنيات متطورة في السرد، وصياغة حديثة للحكاية، مشتغلة بأدوات ووسائط من حقول أخرى خارجة عن محراب الأدب مما يجعلنا نتفق مع الناقد نجيب العوفي حينما قال:"لكل كاتب الحق في أن يخلق ما يستطيع من الأشكال التي لا توجد في الأدب"(19).فهنيئا لكل من وجد في القصة خصوصيته، وتفرده من خارج القصة ذاتها
الهوامش
1- هذه ليلتي، فاطمة بوزيان، منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة بالمغرب،ط:1 2006 .
2- همس النوايا، فاطمة بوزيان،منشورات المجلس الإقليمي للرياضة والثقافة والشؤون الإجتماعية بالحسيمة، ط: 1 ، 2001 .
4- نفسه ، (ص:49).
5- نفسه ، (ص:94).
6- نفسه ، (ص:42).
7- نفسه ،(ص:54) .
8- نفسه ، (ص:42).
9- نفسه ،(ص:41).
10- البرشمان، أنيس الرافعي، منشورات الشاطئ الثالث، ط:1 ، 2006 .
12- نفسه ،(ص:28).
13- نفسه، (ص:9).
14- نفسه ،(ص:10).
15- مخاضات تجديد القصة القصيرة بالمغرب،مجموعة من النقاد والباحثين،دار وليلي، ط :1 2006
19- محمد اشويكة ، قاص مغربي، من اصداراته:
- الحب الحافي، قصص قصيرة، منشورات الآفاق المغربية، مراكش، 2001.
- النصل والغمد، ورشة قصصية، منشورات الكوليزيوم، مراكش،2003.
- الصورة السينمائية : التقنية والقراءة، منشورات سعد الورزازي، الرباط ،2005.
http://encarta.msn.com/dictionnary-/interactive.htm l - 20
21- محمد اشويكة، احتمالات، سيرة ذهنية لكائن من زماننا، المفصل السردي: قالت العين للعين.
22- عبد الله العروي، أوراق، المركز الثقافي العربي، بيروت،الدار البيضاء، ط : 6، 2004 ،(ص:209) .
23- محمد اشويكة، احتمالات ، الملف السردي الأول: لحمر ف لكحل.
24- نفسه، الملف السردي الثالث:@mour
25- نفسه،journal d’un amour
26- نفسه،suite
27- نفسه،جولة في الكرم
28- نفسه،لائحة الروائع الغنائية
29- نفسه،استثمار/استمخار
30- اللغز: ما أتكلم عليه شيء يشبه المنقار و ما هو بالمنقار...ما أتحدث عنه من وظائفه النقر أيضا(انظر حكاية المنقار)
31- المثل:إلى اعطاك العاطي ما تكليكي ما تشاطي(انظر journal d’un amour)
د- سعاد مسكين







