مرة أخرى، تطارد لعنة الكتابة القاص المغربي عبد الله المتقي لينتج عملا خارج رحم الشعر لكنه لا يخلو من صور شعرية، وتركيز لغوي جعلا من مجموعته القصصية (الكرسي الأزرق ) محكيا شعريا ينزاح باللغة من معناها المغلق الذي يجعل للدال مدلولا واحدا إلى خلق دلالات إيحائية متعددة تحيل على سجلات معرفية و ثقافية ، تزاوج بين سجل الذاكرة والطفولة، وسجل الصراع بين الـ(هي) والـ(هو) المشدود إلى ثقافة الانفصال ، وإلى تعرية مكامن النفس واللاشعور.
لقد حاول القاص عبر هذين السجلين إظهار حرفيته في الكتابة، وقدرته على مراوغة اللغة ومشاكستها إذ استطاع عبر تجليات المتخيل القصصي، و فرادة الكتابة أسلوبا ودلالة ، وخصوصية وعيه بالكتابة بأن يؤكد لرواد الشعر ومريديه أن القصة القصيرة يمكنها أن تكون الأخ الشقيق للشعر.
أولاً :المتخيل القصصي
تتشكل المادة الحكائية من خلال نسيج "ضفائري " ينتظم بشكل تناوبي على طول العمل القصصي حيث يتألف من تدفق قطرات الذاكرة، وبروز اللاوعي الطفولي ، وتجلي الصراع بين الهي والهو ، يسمح باستيهام معاني دفينة في النفس توحي بالانشطار والانفصال.
أ ــ قطرات الذاكرة : تمثل الدادة مفتاح الذاكرة عند القاص
أ ــ قطرات الذاكرة : تمثل الدادة مفتاح الذاكرة عند القاص
( تمنحني جدتي مفتاح ذاكرتها اللذيذة ...
أرى هينة تتوسل الغول فوق سرير من قصب
أبكي من الضحك لشغب حديدان....
ماتت جدتي
ضاع المفتاح ) ..*(2)
تحيل الجدة أيضا إلى بعض الأبعاد الإنسانية والإجتماعية ؛ الجدة ( الحنان ) تمثل رمز دفء الأسرة، ومفتاح التحامها " يجن الليل ونتكور جوار جدتي ، مثل كتلة لحم واحدة " *(3). والجدة ( البادية ) حيث يرصد لها القاص مجموعة من الصور في وضعيات مختلفة: وهي تجلس على الحصير،أوتنسج جلبابا لزوجها اللذي أنهكه الحقل، أو تقوم بشطحات وجذبات لتخرج الساكن، أوتضع أحمر الشفاه خلسة. صور تعيد الاعتبار لشخصية الجدة التي قد ينظر إليها البعض على أنها كائن بدائي لكنها في العمق هي كائن مليء بالعاطفة، قادر على الإنتاج و العطاء، وهي كائن حالم وشقي كالطفل أيضا.
ب ــ اللاوعي الطفولي : يبرز هذا الملمح عند القاص من خلال حفره في تجاعيد الذاكرة، ووقوفه عند مرحلة الطفولة وما تحمله من رؤية حالمة ومشرقة عبر الإحساس بنكهة المطر، والفرح بالعيد، والتفكه عند مشاهدة الرسوم المتحركة، والحلم بالسلم،غير أن هذه الرؤية لا تخلو من انزياحات تفرضها إكراهات الواقع المرير؛ الفقر: "هيا اخلع ملابسك للعيد الماجي" ( مساء العيد ). الحروب : " يمر سرب من الطائرات الحربية ، يختفي الحمام...و...يفتح الطفل عينيه خائفا " (حمام). الهجرة السرية:"خلسة يخرج الطفل أقلامه الملونة، ويرسم بحرا وقاربا مكتظا بالهاربين" ( غرقى ).
ج ــ الصراع بين الهي و الهو: يحضر الجسد في المجموعة القصصية في حالة انفصال بين ذاتيتن : ذات (الهي) تحلم باللقاء، وتعيش لحظات من الانتظار، وأحيانا التهميش.فتحيى على أنقاض ذكريات باهتة تسترجع فيها علاقاتها بالذات الأخرى (الهو)، ذات تعيش لحظة اللقاء عبر التلذذ تارة (كرز) ، وعبر النهم تارة أخرى ( علبة زرقاء )،وفي أحيانا كثيرة عبر الدردشة (رسالة حب، غشت).
ثانياً : الأسلوب القصصي
ـ لم يستطع عبد الله المتقي التخلص من التركيز اللغوي والاقتصاد الكلامي الذين رضعهما من تدي القصيدة النثرية، فجاءت مجموعته عبارة عن نتف مركزة، تعتمد على كتابة ذات سطور متفاوتة الطول لكنها في العمق تبوح بالمسكوت عنه (رغبات الجسد)، وتعري الواقع المبتذل (الشخوص الهامشية). حاول إبلاغ هذين البعدين الدلاليين من خلال التركيز على مكونين بلاغيين : الإستعارة، والعجائبي .
أ -الإستعارة : يحتال القاص على القارئ بصياغة ألفاظ لغوية حمالة أوجه حيث لا يمكن لأي قارئ أن يفهم دلالتها دون أن يستقرئ و يؤول محمولاتها وصورها الدلالية التي في بعض الأحيان يعجز القبض عليها : الكرسي الذي...يبدو الآن مستلقيا على قفاه قرب الباب...الكرسي الأزرق يقطب جبينه الآن .. الرجل البني ، ثلاجة الخضر، سيجارة شقراء، قوارير زرقاء...علبة زرقاء..... تسمح الإستعارة بتعدد الصور الإيحائية فاللفظة واحدة، والدلولات متعددة.الشيء الذي يجعل القصة قاتلة كطلقة المسدس أو محيية كندف المطر لشدة تكثيفها، وقلة ترثرتها، فهي لمازة غمازة ، انظر كيف سيتحدث القاص الشاعر عن طامو في قصة كرز:
وكانت طامو تحكي لي كثيرا عن الكرز
حتى صرت أراها كرزا...
لذيذة وطرية...
في عينها كرز...
في فمها كرز...
فوق نهديها كرز...
وأحيانا كنت أتذوق الكرز *(4).
ب - العجائبي : يثبت هذا النمط الخطابي قدرة القاص على معانقة العوالم الممكنة، وعلى التنويع في مرجعيات المحكي القصصي حيث إلى جانب استرجاع صور الذاكرة الباهتة المرتبطة بالطفولة والجدة، ورصد الصراع الواقعي بين الذاتين (المراة والرجل)، يوظف تجليات العجائبي عن طريق التنبأ بموت السيد عبد الباقي (جثة جافة)، وعبر تحول رسم الطفل للهاربين إلى حقيقة عبر غرق المعلم والأطفال (غرقى) ، وعبر طي المسافات حينما اختفت المومستان من الرصيف ووجدتا على سرير الكاتب(ضحك القصة).
يكشف العجائبي عن رغبة الكاتب في تقديم رؤية ساخرة ومأساوية للواقع ( الناشف ) الذي يفقد الإنسان الرغبة في الحياة، أو في التغيير، بل يحرمه حتى من الحلم، فيحس باحباط تشاركه فيه سجارة شقراء، أو قارورة زرقاء.
ثالثاً : الوعي بالكتابة
أ -الإستعارة : يحتال القاص على القارئ بصياغة ألفاظ لغوية حمالة أوجه حيث لا يمكن لأي قارئ أن يفهم دلالتها دون أن يستقرئ و يؤول محمولاتها وصورها الدلالية التي في بعض الأحيان يعجز القبض عليها : الكرسي الذي...يبدو الآن مستلقيا على قفاه قرب الباب...الكرسي الأزرق يقطب جبينه الآن .. الرجل البني ، ثلاجة الخضر، سيجارة شقراء، قوارير زرقاء...علبة زرقاء..... تسمح الإستعارة بتعدد الصور الإيحائية فاللفظة واحدة، والدلولات متعددة.الشيء الذي يجعل القصة قاتلة كطلقة المسدس أو محيية كندف المطر لشدة تكثيفها، وقلة ترثرتها، فهي لمازة غمازة ، انظر كيف سيتحدث القاص
وكانت طامو تحكي لي كثيرا عن الكرز
حتى صرت أراها كرزا...
لذيذة وطرية...
في عينها كرز...
في فمها كرز...
فوق نهديها كرز...
وأحيانا كنت أتذوق الكرز *(4).
ب - العجائبي : يثبت هذا النمط الخطابي قدرة القاص على معانقة العوالم الممكنة، وعلى التنويع في مرجعيات المحكي القصصي حيث إلى جانب استرجاع صور الذاكرة الباهتة المرتبطة بالطفولة والجدة، ورصد الصراع الواقعي بين الذاتين (المراة والرجل)، يوظف تجليات العجائبي عن طريق التنبأ بموت السيد عبد الباقي (جثة جافة)، وعبر تحول رسم الطفل للهاربين إلى حقيقة عبر غرق المعلم والأطفال (غرقى) ، وعبر طي المسافات حينما اختفت المومستان من الرصيف ووجدتا على سرير الكاتب(ضحك القصة).
يكشف العجائبي عن رغبة الكاتب في تقديم رؤية ساخرة ومأساوية للواقع ( الناشف ) الذي يفقد الإنسان الرغبة في الحياة، أو في التغيير، بل يحرمه حتى من الحلم، فيحس باحباط تشاركه فيه سجارة شقراء، أو قارورة زرقاء.
ثالثاً : الوعي بالكتابة
يعي القاص جيدا بأنه خرج عن صرح الشعر ودخل إلى نطاق الكتابة السردية (القصة) بدليل قصيدة حداد التي وضعها في جيب معطفه، والباب الذي تركته القصيدة "مفتوحا على مصراعيه لأنها تعرف مسبقا أن اللصوص لا يهتمون بدواوين الشعر ومسودات القصائد" *(5)، لكن هذا لا يعني موته كشاعر،فالشاعرية والشعرية توأمان سياميان لصيقان بنخاعه الشوكي. يقول في بروميتيوس :
الشاعر يكتب في المكتب
ويكتب بروميتيوس في وحدته مثلا ويفكر في شيء ما :
قصيدة مثلا أو سرطان. *(6).
تظهر شعرية الكتابة عند عبد الله المتقي من خلال اللازمة الإيقاعية التي تتولد عن وجود تركيب لغوي لجمل تتوازى من حيث الوزن في نوع من السجع المتوازي يقول في قصة جاكي :
السيدة جاكي ترقب المطر الذي تساقط
السيدة جاكي ترقب الحمام الذي يحلق
خلف السيدة جاكي فوضى منظمة
خلف السيدة جاكي معطف سميك *(7).
وتظهر أيضا من خلال الكتابة السطرية سواء ذات الجمل القصيرة الموحية :
"المرأة جزيرة زرقاء
زخات ويتساقط المطر
قرن يتسلل
إلى آخره" * (8)
أو الجمل القصيرة التي تكثر فيها المترادفات، تفصل بينها الفواصل: "كان صورة منها، فقيرا، هزيلا، شاحبا، و....، جائعا" *(9). أو الجمل القصيرة المتقطعة التي تفصل بينها نقط الحدف :" الرجل الذي خرج من الحانة لا يعقل ولا يسمع... وقف على الرصيف.. كان الشارع خاليا من المعاطف والمظلات.. وكانت تمة ندف تتطاير.. وقصيدة حداد في جيب معطفه الرمادي" *(10).
تعكس هذه الطرق التعبيرية في مجملها افتتان القاص بالكتابة بنوعيها (الشعرية والسردية) إذ يجعل للشعر امتدادا في القصة، ويجعل من اللغة ذاك الوسيط الزئبقي عديد التلوينات والإيحاءات.
إجمالا يمكن القول إن اللقاء الأول للشاعر والقاص عبد الله المتقي مع القصة كان رائعا أبان عن حرفية في السرد إن على مستوى المحكي القصصي أو على مستوى طريقة الكتابة تعد بإضافة كرسي آخر متميز إلى جانب الكراسي الإبداعية القصصية البارزة في الساحة المغربية.
هوامش : ـــــــــــ 1ـ المتقي : الكرسي الأزرق (قصص) منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة ،ط: 1 ، 2005.
الشاعر يكتب في المكتب
ويكتب بروميتيوس في وحدته مثلا ويفكر في شيء ما :
قصيدة مثلا أو سرطان. *(6).
تظهر شعرية الكتابة عند عبد الله المتقي من خلال اللازمة الإيقاعية التي تتولد عن وجود تركيب لغوي لجمل تتوازى من حيث الوزن في نوع من السجع المتوازي يقول في قصة جاكي :
السيدة جاكي ترقب المطر الذي تساقط
السيدة جاكي ترقب الحمام الذي يحلق
خلف السيدة جاكي فوضى منظمة
خلف السيدة جاكي معطف سميك *(7).
وتظهر أيضا من خلال الكتابة السطرية سواء ذات الجمل القصيرة الموحية :
"المرأة جزيرة زرقاء
زخات ويتساقط المطر
قرن يتسلل
إلى آخره" * (8)
أو الجمل القصيرة التي تكثر فيها المترادفات، تفصل بينها الفواصل: "كان صورة منها، فقيرا، هزيلا، شاحبا، و....، جائعا" *(9). أو الجمل القصيرة المتقطعة التي تفصل بينها نقط الحدف :" الرجل الذي خرج من الحانة لا يعقل ولا يسمع... وقف على الرصيف.. كان الشارع خاليا من المعاطف والمظلات.. وكانت تمة ندف تتطاير.. وقصيدة حداد في جيب معطفه الرمادي" *(10).
تعكس هذه الطرق التعبيرية في مجملها افتتان القاص بالكتابة بنوعيها (الشعرية والسردية) إذ يجعل للشعر امتدادا في القصة، ويجعل من اللغة ذاك الوسيط الزئبقي عديد التلوينات والإيحاءات.
إجمالا يمكن القول إن اللقاء الأول للشاعر والقاص عبد الله المتقي مع القصة كان رائعا أبان عن حرفية في السرد إن على مستوى المحكي القصصي أو على مستوى طريقة الكتابة تعد بإضافة كرسي آخر متميز إلى جانب الكراسي الإبداعية القصصية البارزة في الساحة المغربية.
هوامش : ـــــــــــ 1ـ المتقي : الكرسي الأزرق (قصص) منشورات مجموعة البحث في القصة القصيرة ،ط: 1 ، 2005.
2 - نفسه ص :(17).
3 - نفسه ص : (17).
4 - نفسه ص :(31).
5 - نفسه ص :(18).
6 - نفسه ص :( 12).
7 - نفسه ص :(09).
8 - نفسه ص :(11).
9 - نفسه ص :(?0 ).
10- نفسه ص:(68).







