|
م |
ما لا شك فيه أن القصة القصيرة جدا جنس أدبي خاض غماره العديد من الأدباء والمبدعين المغاربة في السنوات الأخيرة من هذا القرن.ومن المتعارف على هذا الجنس أنه ظهر في أمريكا اللاتينية،وبزغت فيه أسماء لامعة من مثل:" خوليو كورطاثار" ، و" خوان خوصي أريولا" ، و"خوليو طوري"، وآخرون. لكن هذا لا يمنع من وجود جذور أصيلة له في الأدب العربي القديم، إذ لا تختلف القصة القصيرة جدا في بنيتها ورؤاها عن بنية الخبر أو النكتة (أخبار الحمقى والمغفلين، وأخبار اللصوص، وأخبار العشاق، وأخبار البخلاء...)، بنية حاولت أن تقارب الذهنيات العربية المهمشة والمقموعة ببلاغة تتأسس على الوعي الجمالي، و على التكثيف الصوري والرمزي.
و إذا ما تأملنا هذا النص لفوزي بوخريص نتلمس جليا هذه العلاقة التي تجعل بالإمكان أن تبنى القصة القصيرة جدا على النكتة :
" قناع"
كان اللقاء في مكان مقفر. كنا وحدنا، فكان الحب ثالثنا: أحسسنا بالامتلاء، فآثرنا البوح الهامس والانصات إلى إيقاع قلبينا وإلى حديث عيوننا...
فجأة، وبحركة خفيفة ،انتزعت طاقم أسنانها، كاشفة عن وجه الآخر. بدت تشبه كائنا خرافيا. اختلط كل شيء في رأسي، فأمسكت الأرض...
صاحت بفم أدرد:
- إيه فين الغزال؟
فعدوت هاربا مثل حيوان صغير استشعر خطرا وشيكا (1)
لا تخرج القصة القصيرة جدا إذن عن هذا الإطار، فقد جعلتها خصائصها البنيوية المتمثلة في : القصر والإيجاز/ حضور المعنى المقتضب / تفادي الجمل الطويلة / اجتناب الإطناب / إيحائية ورمزية المعنى / تنوع النهاية /حضور عنصر الدهشة. (2) بأن تكون غمازة، همازة، عبارة عن طلقة رصاص سريعة وهادفة قد تصيب الهدف(القارئ المفترض)، أو تطرحه أرضا قتيلا.
لهذا يمكن القول إن القصة القصيرة جدا هي شكل من أشكال الكتابة لا يخرج عن" أدبية" النص السردي، شكل يتماشى مع متغيرات ومتطلبات الحياة الجديدة، فهو ليس نتاجا جديدا بل هو تطور لأشكال قديمة (النكتة ، الخبر ) واستمرار لأشكال حديثة ( القصة القصيرة). ونعني بهذا القول أيضا أن القصة القصيرة جدا ليست بموجة عابرة(une mode) بل هي صيغة(un mode) جديدة من الخطاب تلتقط اللحظة، والحدث الومضة بكثافة لغوية، وبلاغة رمزية، تعبران عن الإنسان العادي والهامشي عبر كتابة صادقة وبليغة كما عبر عنها الخبر في الثرات قديما.
إن الحديث عن القصة القصير جدا يدعونا أيضا إلى الحديث عن شروط الكتابة فيه لأنه قد يغرر بالبعض ركوب صهوته أخدا بعين الاعتبار معياري الإيجاز والتكثيف، لكن لا يعني ذلك السطحية والفراغ لأننا في بعض الأحيان قد نقرأ نصوصا مطروحة على أعمدة الصحف والمجلات العربية لا ترق إلى مستوى هذا الجنس السردي ، وأقل ما يمكن أن نصفها به ( خواطر، حكايات، ثرثرات...). لذلك نرى من وجهة نظرنا أن المقبل على الكتابة في هذا النمط من الأشكال السردية ، قبل أن يكون مبدعا عليه أن يكون قارئا راكم العديد من النصوص العربية والأجنبية المنتمية إلى هذا الجنس الأدبي، أو القريبة منه كالشعر والقصة القصيرة كي يتمكن من إنتاج نص قصصي قصير جدا محكم السبك، ومبصوما بالجودة.
وإذا ما أردنا الحديث عن مستقبل القصة القصيرة جدا في المغرب ، فعلينا أولا أن نتحدث عن راهنها الذي أسهمت في إذكائه العديد من المؤسسات الأدبية عبر التعريف بها، والترجمة لها والتكوين فيها. نذكر على سبيل المثال لا الحصر، المجهودات التي تقدمها مجموعة البحث في القصة القصيرة عبر تقديم القصة القصيرة جدا إلى جمهور القراء بدء بالطلبة إلى عموم القارئ المغربي سواءأ تم عن طريق اللقاءات المباشرة ( الندوات، الورشات ) أم عن طريق الإصدارات التي تعرف برواد ومريدي هذا الشكل الفني من قبيل: " عبد الله المتقي"،" مصطفى جباري"، " سعيد بوكرامي"،"فوزي بوخريص"،"خديجة اليونسي"، "سعيد منتسب"، " محمد تنفو"، وغيرهم.وتترجم نصوصا أجنبية من إسبانيا وأمريكا اللاتينية إلى اللغة العربية من خلال إصدارين قيمين: " بحثا عن الديناصور" (3) ،و" ندف النار" (4).دون أن ننسى الصفحة التي خصصتها جريدة البيضاوي لمجموعة البحث في القصة القصيرة من أجل نشر هذه النصوص بين القراء بأقل تكلفة مادية ، خلافا للاصدارات التي جمعت بين دفتي كتاب التي قد لا يسعف البعض اقتناءها.
وما دام الجنس الأدبي كيف ما كان نوعه هو مؤسسة اجتماعية وجمالية تخضع إلى قوانين عامة، تؤسس معاييره النوعية التي تحدد أفق القارئ عند إقباله على قراءة النصوص التي تنتمي إليه. فهوفي الآن نفسه، مؤسسة ترتهن بشروط سوسيوثقافية تسمح بتثبيته واستمراره.
نذكر من بين الشروط التي ستسهم لا محالة في استمرار القصة القصيرة جدا وتثبيتها حتى لا تكون مجرد" فوران ريثما ينتهي " ما يلي:
- ارتباط انتشار القصة القصيرة جدا بالمؤسسات الأدبية : النوادي، الجامعات، دور النشر ، المقاهي الأدبية التي إذا لم تحتضن هذا الإبداع فإنه سيؤول الأمر به إلى الأفول أو الانقراض.
- دور البحث الجامعي والأكاديمي في مقاربة هذا المنتوج، وتحديد إوالياته وضوابطه البنيوية، وإظهار مكامن فنيته وجماليته.
- دور الورشات التأطيرية في تكوين مبدعين جدد في هذا اللون داخل الجامعات ، والمؤسسات التعليمية، ودور الشباب حتى نضمن استمرارية مسيرته جنبا إلى جنب الأنواع السردية الأخرى: الرواية والقصة القصيرة.
- تفعيل الترجمة للتعرف على التجارب الإبداعية القديمة و الجديدة على المستوى العالمي، و كذلك ترجمة النصوص المغربية إلى لغات أخرى حتى يحدث نوع من التثاقف و تبادل الخبرات،و يصبح للقصة القصيرة جدا المغربية صيت على المستوى الخارجي .
- برمجة نصوص قصصية قصيرة جدا في برامج التعليم الإعدادي والتأهيلي لكونها تسمح بالمقاربة الديداكيكية التي يكتسب منها التلميذ كفايات متنوعة في وقت وجيز.
- مواكبة القراءة النقدية مجرياة التجارب الإبداعية التي تخص هذا الجنس من أجل التقييم والتقويم، ومن أجل إبراز مكامن اللذة والجمال أيضا.
- جدية الكتابة وصدقها بالنسبة للمبدعين المقبلين على هذا الابداع حتي لا يغلب التراكم الكمي على التراكم الكيفي، وحتى لا تصبح القصة عبارة عن قوالب فارغة من بلاغة المعنى.
- عدم غلو كتاب القصة القصيرة جدا في الرمزية والإيحائية حتى تغدو غريبة على القارئ، وتبتعد على الشريحة العريضة من المجتمع، وتصبح بذلك حكرا على نخبة النخبة.
عبر هذه الشروط وغيرها قد نضمن لهذا الجنس الأدبي الوليد بأن يثبت أقدامه، ويجد مريدين له أكثر من معارضين، ويصير أثره أعظم من أثر الشغوفين بقراءة النصوص السردية الطويلة من قبيل الرواية والقصة ،وحسب مبدعي القصة القصيرة جدا أن يحققوا لنا المتعة الفنية والجمالية مع توفير عمق في الرسالة والمعنى.
هوامش
1- جريدة البيضاوي، قناع، فوزي بورخيص، العدد:51 ، الخميس 01 ماي 2003 .
2- بحثا عن الديناصور، مختارات من القصة القصيرة جدا في أمريكا اللاتينية، إعداد وترجمة: سعيد بنعبد الواحد، حسن بوتكى، مجموعة البحث في القصة القصيرة،ط:1 ، 2005 ،(12 /10 ).
3- نفسه.
4- ندف النار، مختارات من القصة القصيرة جدا من المغرب وإسبانيا، مجموعة البحث في القصة القصيرة، ط:1 ، 2003







