قراءات..
لا يوجد أي سرد في العالم دون شخضيات
تكريم

مستلقيا على سريره، وأشعة الشمس الدافئة تضرب شرفة غرفته.تمر الساعات ببطء، يخالجه إحساس مألوف:"لا يختلف هذا اليوم عن الأيام السالفة". يتكاسل في القيام، يضع الوسادة فوق رأسه تارة، يرمي بها عند قدميه تارة أخرى. تخترق رائحة القهوة خيشومه، يعلن خرير الماء وضجيج الأواني عن إعداد زوجته للفطور، يتناول فطوره ببطء شديد، تشنف مسامعه جريدة زوجته الصباحية: توبخه على تأخره في النوم، تذكره بترك المصروف اليومي، تخبره بإحضار قنينة الغاز ... "إن عطالة قنينة الغاز مؤقتة تنمحي بإحضار أخرى. أما عطالتي فهي مؤبدة، إذ منذ حصولي على التقاعد، ومنذ تخلي جامعة كرة القدم عن حرفتي تعطلت الحركة بالمنزل كله"

يسمع رنين الهاتف، فيجيب: ألو. .. أهلا، هذا برنامج "ذاكرة"، نحب أن تشرفنا لإجراء حديث مباشر، في إطار تكريم الوجوه ...و... و لم يتمكن من سماع بقية الحديث لأنه، ولأول مرة، يحس بكينونته وبوجوده، ويشعر بأنه لايزال حاضرا في الذاكرة.

ارتدى كسوته الرمادية التي يذخرها للمناسبات الخاصة، وضع ساعته في يده اليسرى، ركب سيارته المتآكلة، سلك الطريق الأقرب إلى الإذاعة رغم أنه طريق متشعب وكثير الحفر.  سمع دوي صفارة تجبره على الوقوف أمام إشارة الضوء الأحمر الذي بهت لونه، وصار مائلا إلى الإصفرار.

أوقف السيارة، تذكر صفارة حكم المباراة حين شهر في وجهه الورقة الحمراء، حرم على إثرها من آخر مباراة، كان يود أن يقدم فيها الكثير من تقنيات اللعب في المراوغة والمماطلة."كيف يعقل أن يحدد جسم صغير مثل الصفارة مصير افرد؟" تظهر إشارة الضوء الاخضر، تستميت السيارة مثل التابوت وسط زحمة السيارات والحافلات، وبين انزلاقات الدراجات. يتجه الشرطي نحوه ليسجل "مخالفة".

لم يجد ما يحتج به سوى الاعتذار له عن سهوه، لأنه كان يهيء للكلمة التي سيلقيها في حفل تكريمه.


*سعاد مسكين

(1) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 23 ابريل, 2008 06:23 ص , من قبل elgannass

سيدتي الفاضلة...

أود أن أهديك تحية دافئة كدفء هذا الصباح، كنت متطفلا فأصبحت شغوفا بكل كلماتك، نعم نحن نختبئ من قدرنا، ولا نعلم لماذا يريد الله لنا هذا القدر، ولكن لو فكرنا قليلا لوجدنا أن أصغر الأشياء التي تتحكم في حياتنا، هي أكبر الأشياء التي ساندتنا في الخروج من الكثير من المآزق.

نحن عاطلون، عن كثير من الأمور، ليتنا حاولنا استعادتها، ربما حيينا سعداء...

إليك أزف تحياتي...



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية